فخر الدين الرازي

205

تفسير الرازي

المسألة الثانية : الكف المنع ، والبأس أصله المكروه ، يقال ما عليك من هذا الأمر بأس أي مكروه ، ويقال بئس الشيء هذا إذا وصف بالرداءة ، وقوله : * ( بعذاب بئيس ) * ( الأعراف : 165 ) أي مكروه ، ويقال بئس الشيء هذا إذا وصف بالرداءة ، وقوله : * ( بعذاب بئيس ) * أي مكروه ، والعذاب قد يسمى بأسا لكونه مكروها ، قال تعالى : * ( فمن ينصرنا من بأس الله ) * ( غافر : 9 ) * ( فلما أحسوا بأسنا . فلما رأوا بأسنا ) * ( الأنبياء : 12 ) قال المفسرون : عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ، وقد كف بأسهم ، فقد بدا لأبي سفيان وقال هذا عام مجدب وما كان معهم زاد إلا السويق ، فترك الذهاب إلى محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال تعالى : * ( والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ) * يقال : نكلت فلانا إذا عاقبته عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله ، من قولهم : نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع منه ، قال تعالى : * ( فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ) * ( البقرة : 66 ) وقال في السرقة : * ( بما كسبا نكالا من الله ) * ( المائدة : 38 ) ويقال : نكل فلان عن اليمين إذا خافه ولم يقدم عليه : إذا عرفت هذا فنقول : الآية دالة على أن عذاب الله وتنكيله أشد من عذاب غيره ومن تنكيله ، وأقبل الوجوه في بيان هذا التفاوت أن عذاب غير الله لا يكون دائما ، وعذاب الله دائم في الآخرة ، وعذاب غير الله قد يخلص الله منه ، وعذاب الله لا يقدر أحد على التخلص منه ، وأيضاً عذاب غير الله لا يكون إلا من وجه واحد ، وعذاب الله قد يصل إلى جميع الأجزاء والأبعاض والروح والبدن . قوله تعالى * ( مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتاً ) * . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها : الأول : أن الله تعالى أمر الرسول عليه السلام بأن يحرض الأمة على الجهاد ، والجهاد من الأعمال الحسنة والطاعات الشريفة ، فكان تحريض النبي عليه الصلاة والسلام للأمة على الجهاد تحريضا منه لهم على الفعل الحسن والطاعة الحسنة ، فبين تعالى في هذه الآية أن من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ، والغرض